فخر الدين الرازي

198

المطالب العالية من العلم الإلهي

بتقدير صحة هذه الأصول الثلاثة ، فإنه يجب أن لا تتحرك تلك الأجزاء البتة . لأن الأجزاء المعترضة في الخلاء ، إذا كانت متشابهة ، لم يكن بأن تقتضي طبيعة ذلك الجزء بأن تنتقل إلى حيز ، أولى من أن تنتقل إلى حيز آخر . ولما تساوت الانتقالات وتعارضت وتدافعت ، وجب في كل واحد من تلك الأجزاء ، أن يبقى في حيزه « 1 » المعين . وأما المتكلمون : فقد أبطلوا هذا المذهب بناء على أن القول بثبوت حركات لا أول لها محال . ودلائلهم في هذا الباب مشهورة وسنذكرها في القدم والحدوث . فهذا هو الإشارة إلى القواعد الأصلية التي يتفرع « 2 » إبطال قول ديمقراطيس عليها . ثم إن العلماء أبطلوا ذلك القول من وجوه أخرى : الأول : إن على تقدير الذي ذهب إليه ديمقراطيس ، يكون حدوث الأفلاك ( لأجل ) « 3 » أسباب اتفاقية غريبة نادرة ، وأما حدوث المواليد الثلاثة من المعادن والنبات والحيوان فهو لأجل أشياء طبيعية أصلية جوهرية ، ولو كان الأمر كذلك ، لوجب أن تكون تركيبات الأفلاك والكواكب ، أقل شرفا ، وأدون كمالا ، من تركيبات المواليد الثلاثة ، ولما دلّ الحس على فساد هذا القول ، ثبت فساد ذلك القول . الثاني : إن مقعر فلك القمر ، ومحدب كرة النار ، أيضا : سطح أملس . وإذا انزلق الأملس على الأملس لم يلزم من حركة إحداهما حركة الآخر ، وإذا ثبت هذا فنقول : إما أن يقال : إن الفلك لأجل حركته يسخن جدا ، فإذا تسخن في ذاته ، صارت سخونته سببا ( لسخونة ) « 4 » جوهر « 5 » الجرم الملاصق له ، ولهذا السبب تحصل السخونة في جوهر النار . وإما أن يقال : الفلك إذا استدار لزم

--> ( 1 ) مع جزء ( س ) . ( 2 ) تتفرع على قول ديمقراطي ، ثم . . . الخ ( س ) . ( 3 ) من ( ز ) . ( 4 ) ( ز ) . ( 5 ) من ( س ) .